الفرق الجوهري اليوم ليس عنصرًا واحدًا، بل منظومة كاملة تغيّرت: التقنية صارت متاحة، والمجتمع صار أكثر تقبّلًا، والدولة انتقلت من الدعم المحدود إلى صناعة بيئة سينمائية متكاملة تقودها رؤية 2030. وفي كلمة واحدة: من “محاولات فردية” إلى “مشروع وطني” ما تغيّر فعلاً في البدايات، كانت الممارسة أقرب إلى المغامرة: أدوات أقل، بنية تحتية أضعف، ومساحة أضيق للتجريب والتوسع، حتى إن التجربة السينمائية كانت تُبنى غالبًا على الشغف أكثر من الإمكانات أما اليوم، فالمشهد يتكئ على بنية إنتاجية أوضح، وحوافز واستثمارات، وبرامج تطوير وتدريب، مع حضور أكبر لشركات الإنتاج العالمية والكوادر المحلية لذلك لا يمكن اختزال الفرق في “توفر الكاميرات” فقط؛ التقنية مهمة، لكنها أصبحت أداة ضمن سياق أكبر، لا عنوانه الكامل المجتمع والقبول التحوّل الاجتماعي لا يقل أهمية عن التحوّل التقني. كانت السينما في السابق تواجه شكوكًا وعوائق ثقافية، بينما اليوم أصبحت أقرب إلى كونها جزءًا من المشهد الثقافي العام، وهذا ما فتح الباب أمام جمهور أوسع وممارسات أكثر نضجًا هذا الانفتاح لم يأتِ بمعزل عن التحول الوطني الأشمل، بل تزامن مع إعادة تعريف للفنون بوصفها عنصرًا من عناصر التنمية والهوية وهنا تظهر قيمة الرؤية: ليست فقط في تمويل المشروع، بل في تغيير النظرة إليه. الدولة والرؤية الأثر الأعمق لرؤية 2030 أنها لم تدعم السينما ماليًا فقط، بل بنت لها إطارًا مؤسسيًا وتنظيميًا يخلق استدامة، ويؤهل جيلًا جديدًا من السينمائيين، ويجذب الخبرات والاستثمارات ولهذا يمكن القول إن دعم الدولة اليوم ليس “مساندة” بالمعنى التقليدي، بل تمكين: تشريعات، بنية تحتية، تدريب، حوافز، ومسار واضح للنمو وهذا ما جعل التحول السينمائي السعودي يبدو سريعًا وعميقًا في آن واحد، لا مجرد موجة عابرة

عودة للمجلة
٢٣ محرم ١٤٤٨ هـ·Hani Hijazi
من الشغف الفردي إلى الريادة الوطنية، ربع قرن خلف العدسة السعودية
الفرق الجوهري اليوم في كواليس الإخراج بالمملكة ليس في وجود كاميرا أحدث أو جهاز إضاءة أفضل فقط، بل في أننا انتقلنا من زمن الاجتهاد الفردي إلى زمن المشروع الوطني. في البدايات كنا نصنع الفيلم بإيماننا قبل أدواتنا، أما اليوم فنصنعه على أرضية أقوى: تقنية متاحة، مجتمع أكثر وعيًا، ودولة تؤمن بأن السينما جزء من قوتها الناعمة ورؤيتها 2030. هذا التحول لا يمنحنا الراحة فقط، بل يمنحنا مسؤولية أكبر: أن نرتقي بالهوية، ونحفظ الأصالة، ونقدم للعالم قصة سعودية تليق بهذا الوطن
